قصة حضارة
كانت اليابان حتى نهاية القرن التاسع عشر أمة حائرة، تتلمس طريقها، حتى إنهم أرسلوا بعثة إلى مصر،تلمساً وبحتاُ عن حضارة ما، وأتأمل اليوم في حالنا وفي حالهم، وأتلمس الإجابة في قصة هذا الياباني، الذي يمثل ظاهرة العمل، التي قفزت باليابان من دول العالم الثالث، إلى دولة صناعية كبرى،
أبتعثتني حكومتي للدراسة في جامعة هامبورغ بألمانيا لأدرس أصول الميكانيكا العلمية ذهبت إلى هناك وأنا أحمل حلمي الخاص الذي لا ينفك عني أبدا والذي خالج روحي وعقلي وسمعي وبصري وحسي كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركا صغيرا
كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى موديلا وهو أساس الصناعة كلها فإذا عرفت كيف تصنعه فإنك تضع يدك على سر هذه الصناعة كلها .
وبدلا من أن يأخذني الأساتذة إلى المعمل أو مركز تدريب عملي أخذوا يعطونني كتبا لأقرأها وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها ولكنني طللت أمام المحرك أيا كانت قوته وكأنني أقف أمام لغز لا يحل كأني طفل أمام لعبة جميلة لكنها شديدة التعقيد لا أجرؤ على العبث بها .
وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع كان ذلك أول الشهر وكان معي راتبي وجدت في المعرض محركا بقوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله فأخرجت الراتب ودفعته للبائع وحملت المحرك وكان ثقيلا جدا وذهبت إلى حجرتي ووضعته على المنضدة وجعلت أنظر إليه كأنني أنظر إلى تاج من جواهر وقلت لنفسي : هذا هو سر قوة أوروبا !! لو استطعت أن أصنع محركا كهذا لغيرت اتجاه تاريخ اليابان .
بحثت في رفوف الكتب التي عندي حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات وأخذت ورقا كثيرا وأتيت بصندوق أدوات العمل ومضيت أعمل ..رسمت منظر المحرك بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمي أجزاءه ثم جعلت أفكك أجزاءه قطعة قطعة وكلما فككت قطعة رسمتها على الورق بغاية الدقة وأعطيتها رقما وشيئا فشيئا حتى فككته كله ثم أعدت تركيبه من جديد .
وفي هذه اللحظة وقفت صامتا قليلا ..إنه وقوف وصمت المتشكك هل سأنجح في تشغيله ؟؟وبسرعة قطعت شكي وأدرت المحرك ..فأشتغل ، وما إن غرد صوت المحرك حتى كاد قلبي يقف من الفرح ..استغرقت العملية ثلاثة أيام كنت آكل في اليوم وجبة واحدة ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل .
وحملت النبأ إلى رئيس البعثة فقال حسنا فعلت الآن لا بد من أن أختبرك سآتيك بمحرك متعطل وعليك أن تفككه وتكتشف موضع الخطأ وتصححه وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل .
كلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثنائها مواضع الخلل فقد كانت ثلاثة من قطع المحرك بالية ومتآكلة صنعت غيرها بيدي صنعتها بالمطرقة والمبرد لقد كانت هذه اللحظات من أسعد لحظات حياتي فأنا مع المحرك جنبا إلى جنب و























